صديق الحسيني القنوجي البخاري
143
فتح البيان في مقاصد القرآن
الثاني : أما لو سلمنا أن هذا من باب النسخ لا من باب التقييد لم يكن فيه دليل على ما قالوه فإنه قد كان يمكنهم بعد الأمر الأول أن يعمدوا إلى بقرة من عرض البقر فيذبحوها ثم كذلك بعد الوصف بكونها جامعة بين الوصف بالعوان والصفرة ، ولا دليل يدل على أن هذه المحاورة بينهم وبين موسى عليه السّلام واقعة في لحظة واحدة ، بل الظاهر أن هذه الأسئلة المتعنتة كانوا يتواطؤون عليها ويديرون الرأي بينهم في أمرها ثم يوردونها ، وأقل الأحوال الاحتمال القادح في الاستدلال . وعن عبيدة السلماني قال كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له وكان له مال كثير وكان ابن أخيه وارثه فقتله ثم احتمله ليلا فوضعه على باب رجل منهم ، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم إلى بعض ، فقال ذو الرأي منهم علام يقتل بعضكم بعضا ، وهذا رسول اللّه فيكم ، فأتوا موسى فذكروا ذلك له فقال : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [ البقرة : 67 ] الآية قال فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة ، ولكنهم شددوا فشدد عليهم حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها فقال واللّه لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا ، فأخذوها بملء جلدها ذهبا فذبحوها فضربوه ببعضها فقام ، فقالوا من قتلك ، فقال هذا لابن أخيه ، ثم مال ميتا فلم يعط من ماله شيئا ولم يورث قاتل بعده . وعن ابن عباس أن القتيل وجد بين قريتين وأن البقرة كانت لرجل كان يبر أباه فاشتروها بوزنها ذهبا ، وقد روي في هذا قصص مختلفة لا يتعلق بها كثير فائدة . وفي القصة أحكام منها الاستدلال بقوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ على أن الآمر لا يدخل في عموم الأمر فإن موسى لم يدخل في الأمر بدليل قوله : فَذَبَحُوها ومنها الاستدلال على أن السنة في البقرة الذبح ، ومنها الاستدلال على جواز ورود الأمر مجملا وتأخير بيانه ، ومنها دلالة قوله لا فارض ولا بكر وقوله مسلمة على جواز الاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام لأن ذلك لا يعلم إلا بالاجتهاد ، ومنها أن المستهزىء يستحق سمة الجهل ، ومنها دلالة قوله : إِنْ شاءَ اللَّهُ على الاستثناء في الأمور ، ومنها دليل أهل السنة في أن الأمر لا يستلزم المشيئة ، ومنها الدلالة على حصر الحيوان بالوصف وجواز السلم فيه ، ومنها دلالة قوله : فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ على أن الأمر على الفور ويدل على ذلك أنه استقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمرهم به وقال فذبحوها وما كادوا يفعلون . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 72 إلى 73 ] وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 72 ) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 73 ) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً أي واذكروا يا بني إسرائيل وقت قتل هذه النفس وما وقع فيه